علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
247
ثمرات الأوراق
صغره تحت يده ، ورفع له في هذا المبتدأ وسيّره في الآفاق خبرا ، وعلّم الأعداء أن دمعهم يجري عند لقائه دما وكذا جرى . وهذه المقابلة تليق بابن الغادر على قبح سريرته وغدره ، فإنه أخرج أهل تلك البلاد من أرضهم بظلمه لا بسحره . وسألنا قبل ذلك في ولده وقد كره العود إليه وألف أبوّتنا الشريفة وتوطّن ، فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ [ القصص : 13 ] . فخالف نصّ الكتاب ، ومشى في ظلم الطغيان ، ولم يعمل بقوله تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] . فقابلته سطواتنا الشريفة على قوله وفعله ، وما حاق المكر السّيّئ إلا بأهله . وحلّ ركابنا الشريف بالأبلستين في العشرين من ربيع الآخر ، فجمعنا بحصنها الزاهر بين ربيعين ، وتمّمناها بعشر الإقامة لاستبقاء ما لنا في ذمة جيرانها من الدّين ، فرحّبت بنا وبسطت بساطها الأخضر وقالت : على الرأس والعين . وألقتنا إلى درندة وما العيان من صنع اللّه في أخذها كالخبر ، وقرّرنا صدع صخورها باختلاف الآلات فجاء ما قرّرناه نقشا على حجر ، وادّعت أن صخرها أصمّ فأسمعناه من آذان المرامي تنقير المدافع وتحريك الوتر . وطلعت في ظهر الجبل كدمّل فطار كل جارح من سهامنا بريشته إلى فتحها ، وظنت صون من بها لعلوّ ذلك السفح فطالت سيوفنا إلى دماء القوم وسفحها . وقرعنا جبلها بسبّابات المدافع وكسرنا منه الثنيّة ، وأمست حلق مراميها كالخواتم في أصابع سهامنا المستوية . وخرّ بحرها طائعا فركبنا عليه سفن جسور على الزحف جاسرة ، وأقلعنا إلى خشب سفينها المسنّدة فمزّقنا قلوع سائرها وخرّبنا قريتها العامرة . هذا مع أن الملك خطبها لنفسه وأراد أن يعرج إليها ، فترفعت عليه ولم ترضه لنقص العرج أن يعلو عليها ، فرحل عنها ولم يحظ من ديوان وصلها بمسموح ، ولكن ساعة رؤيتها قالت بكارتها : مرحبا بأبي النصر وأبي الفتوح . وتعلّق سكانها بأذيال الأمان فأمنّاهم ، ولكن كانوا في صدرها غلّا فنزعناهم . وجاءت مفاتيح جندروس قيل التخلّص منها براعة ، فأحسنّا الختام بدرندة وألقينا إكسير المدافع على حجرها الذي كان غير مكرم وأحسنا التدبير في الصناعة . وسمعت كرت برت بذلك ، فألقت من بها من بئر معطّلة وزهت فرحة بقصرها المشيد ، ووصلت مفاتيحها يوم هذا الفتح مهنئة بلسانها الحديد . وغارت عروس بهنتان من ذلك فخطبتنا لجمالها البارع ، وجهزت كتابها يشهد لها بالخلوّ من الموانع . وهي أيضا ممن خطبها الملك لنفسه فتمنّعت ، وأراد السموّ إلى أفقها العالي فاستسفلته وترفّعت . وعوت كلابه فلقمتهم ما ثقل وزنه من أحجارها الثّقال ، خلافا لمن أصبح الصخر عنده مثقالا بمثقال .